أخبار

إنتظار بعد طول غياب

إنتظار بعد طول غياب

إنتظار بعد طول غياب
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)

​حينَ يمتدُّ ليلُ غيابكَ وتتطاولُ أمدادُه، ينسلُّ الصمتُ إلى أروقةِ روحي كمهابةِ المعابدِ المهجورة، فأغدو كائناً من سكون، وأستحيلُ صمتاً مطبقاً لا تكسرهُ صرخة ولا يبلغهُ نداء. كأنَّ الكلماتِ التي كانت تملأُ كوني قد أضاعت عناوينَ قلبي، أو كأنَّ الحروفَ قد كفرت بلغةِ البيانِ حين لم تجد فيكَ مستقراً لها. في غيبتكَ، يتثاءبُ الوقتُ بكسلٍ مضنٍ، وتتثاقلُ خُطى الثواني كأنها جبالٌ من رصاص، فلا هي تمضي لتطوي صفحةَ البعد، ولا هي تجرؤُ على الرحيلِ لتدعني وشأني؛ فكلُّ لحظةٍ في غيابكَ دهرٌ، وكلُّ نبضةٍ انتظارٌ مرير.
​إنَّ الساعاتِ المعلقةَ في معصمي لم تعد مجردَ أداةٍ لقياسِ الزمن، بل غدت شهوداً على ذبولي؛ فهي تشيخُ كلما مرَّ طيفكَ ولم تأتِ، وتتغضّنُ عقاربُها بآثارِ الوجدِ والسهاد. وفي أدراجِ الروح، تذبلُ تلك الرسائلُ التي لم تجد طريقاً إلى الورق، وتجفُّ محابرُ الشوقِ قبل أن تخطَّ أولَ حرفٍ من اسمك. أجدني في خلوتي أعدُّ خفقاتِ قلبي المتسارعة، نبضةً تلو الأخرى، وأرسلُها مع زفراتِ الحنين، علَّ صدى إحداها يقتحمُ حصونَ صمتكَ أو يلامسُ شغافَ قلبكَ البعيد.
​حين يطولُ الغياب، أنفي نفسي إلى مدائنِ خيالي، فأمشي إليكَ في طرقاتِ الوهمِ حافيةَ الروح، أستحيرُ وجهكَ من خزائنِ الذاكرةِ العتيقة، وأعكفُ على ترتيبِ ملامحكَ بدقةِ صائغٍ يخشى ضياعَ جوهرته. أرسمُ عينيكَ بمدادِ دمعي، وأخطُّ ثغركَ بوجيبِ قلبي، أخافُ –يا ويحي– أن يبعثرَ الشوقُ تفاصيلكَ في زحامِ الوجوه، أو أن يسرقَ النسيانُ ملمساً من كفيكَ أو بريقاً من نظرتك. فأنا أحرسُ طيفكَ في داخلي كما يحرسُ العابدُ قبسَ النورِ في ليلةٍ عاصفة.
​لقد تعلمتُ في مدرسةِ غيابكَ كيف أكونُ قويةً صلبة، لا لأنَّ حاجتي إليكَ قد فترت، ولا لأنَّ شغفي بكَ قد همد، بل لأنني أدركتُ يقيناً أنَّ الشوقَ وحشٌ كاسرٌ إن لم نُروّضه بالصبرِ ونُهذّبه بالتحمل، حطّمَ أضلعنا وأحالَ كياننا ركاماً. القوةُ هنا ليست نسياناً، بل هي وقوفٌ شامخٌ في مهبِّ الحنين، وكبرياءٌ يمنعني من الانهيارِ أمامَ عتباتِ طيفك.
​وفي نهاية كلِّ يوم، حين يسدلُ الليلُ ستائرَه السوداء، لا أجدُ لي ملجأً إلا في رحابِ السماء. أخبئُ اسمكَ في طياتِ دعائي، وأحملهُ بقدسيةٍ إلى ملكوتِ الله. أتركُ بيني وبين خالقي مسافةَ دمعةٍ واحدة، دمعةٍ تختصرُ كلَّ الكلامِ وتختزلُ أوجاعَ الغياب. وأرفعُ صوتي الذي بحَّ من طولِ الصمت، فأقولُ بقلبٍ يرجفُ رجيفَ الطير: “يا ربّ، يا من بيدكِ مفاتيحُ الفرج، لا تطل الغيابَ أكثرَ مما يحتملُ هذا القلبُ الواهن، وردَّ الغائبَ ليبردَ نارَ الشوقِ بثلجِ اللقاء”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى